ورحلَ سماحةُ الوالد ....علَّامةُ السُّودان. بقلم عمار محمد خالد
2025-07-23
177

ورحلَ سماحةُ الوالد ....علَّامةُ السُّودان.   

عمار محمد خالد

عندما يكونُ الحديثُ عن رجلٍ جمع العلم من أطرافه فعلى الكاتب أن يكون حذِرًا، لكنَّ ذلك الحذر في حالتي هذه مشُوبٌ بالعاطفة، فالرَّجلُ أبٌ حانٍ، وشيخٌ عطُوف، والحديثُ عمَّن أستطيعُ وصفهُ بــ "سماحة الوالد" يبدأ ولكنَّه لا ينتهي بنهاية مقال.
عرفتُ سماحة الوالد جعفر شيخ إدريس ــ رحمه الله ــ وأنا طالبٌ بالمرحلةِ الثَّانويَّة، والحقيقة أنَّ معرفتي بالعلامة جعفر معرفة أسرة، فقد بدأت العلاقة بصلته الوثيقة بعمِّي المرحوم عثمان خالد مضوِّي في حنتوب الثَّانويَّة، ثُمَّ زادت بصلته بوالدي محمد خالد مضوِّي ــ متَّعه الله بالصِّحة ــ منذُ أوائل الستينات في صفوف الحركة الإسلاميَّة.
التقيتُ سماحة الوالد أواخر الثمانينات بمسجد ودأرو، وقد كان من فضلِ اللهِ علينا ــ نحن شباب مسجد ودأرو في تلك الأيَّام ــ زيارات شيخ جعفر للسُّودان في عطلته السنويَّة، أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، فقد كان الشيخ ــ رحمه الله ــ حينها أستاذًا جامعيًّا بالمملكة العربيَّة السُّعوديَّة، وكان نسابة شيخ جعفر( آل تميم ) من جيراننا سُكَّان حي ودأرو، وكانت إقامة شيخ جعفر خلال عطلاته مع نسابته بذلك الحي العريق من أحياء أم درمان القديمة.

كان مسجد ودأرو من المساجد الحيَّة في تلك الأيَّام، وكان يزدادُ حيويَّةً وجمالًا كُلَّما عاد الشيخ جعفر إلى السودان. كان الشيخُ يؤُمُّ المصلِّين أحيانًا، فلا تسل عن عُذوبةِ تلاوته، وأتذكَّر أنَّ العم عمر الصِّدِّيق أُرُو علَّق مرَّةً على صلاة فجرٍ كان إمامها الشيخ جعفر بقوله: صلاة خمسة نجوم. كُنَّا نجالسُ الشيخ بعد الصلواتِ بالمسجدِ أو ببيتهِ فننعم بفوائده، فقد كان  ــ رحمه الله ــ منارةً علميَّةً ودوحةً تربويَّةً، وكان يحفظ لأهل الفضلِ فضلهم، سألناهُ مرَّة عن كلامٍ للعلَّامة يوسف القرضاوي، فابتدر ردَّه بالدُّعاء للشيخ القرضاوي بقوله: الشيخ القرضاوي زاده الله فضلاً وعلما، ثُمَّ أردف بعد ذلك بانتقادِ ماذكرناهُ له من كلام الشيخ القرضاوي، وأتذكَّرُ أنَّ مأخذه على العلامة القرضاوي قوله بنسبيَّة الحق.
كان سماحةُ الوالدِ سهلاً ليِّنًا، ينحُو للطُّرفةِ أحيانًا لتوصيلِ رسائلِه، صلَّى بنا مرَّةً في مسجد ودأرو، وكان المُصلُّون يُكبِّرون تكبيرةً جماعيَّةً مُنغمَّةً بعد الرَّفع من آخر سجدةٍ في الصلاة، فعلَّق الشيخُ على ذلك بعد الصلاة بقوله: اللهُ أكبار....يعني انتهينا خلاص، فضحك المُصلُّون.

وعرضنا مرَّة في إحدى جلسات ودأرو الجميلة لأمرِ المال وأهمِّيته فعلَّق الشيخُ بقوله:
ما أجمل الدِّين والدُّنيا إذا اجتمعا   ***  وأقبحَ الكُفْرَ والإفلاسَ بالرَّجُلِ

وسألناهُ مرَّةً عن المفاضلةِ بين معاوية بن أبي سفيان ــ رضي اللهُ عنه ــ وعمر بن عبد العزيز ــ رحمه الله ــ فقال: ساعةٌ من معاوية ــ رضي الله عنه ــ  مع رسول الله ــ صلى الله عليه وسلَّم ــ خيرٌ من حياةِ عمر.


كان الشيخُ ــ رحمه الله ــ آيةً من آياتِ اللهِ تعالى في الحِجاج، لا يصمُدُ أمامه مُحاوِرٌ، ولا يُجاريه في ذلك عالم، حضرتُ لهُ محاضرتين ما أحبُّ أنَّ لي بهما حُمرُ النَّعم، ورافقتُهُ في إحداهما، كانت المُحاضرتانِ بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم، كانت الأُولى بعُنوان: العلمانيَّة في ثيابٍ إسلاميَّة، والثانيّة: التَّنظيمات الإسلاميَّة نظرةٌ نقديَّة، وكانتا في عام 1994م. 

وقد حضر المحاضرتين أعلام المجتمع السُّوداني في الفكر، والعلم الشَّرعي، والسِّياسة. فقد كان من حضورهما: د. الجزولي دفع الله رئيس وزراء الانتفاضة، ود. عمر نور الدائم نائب الأمين العام لحزب الأُمَّة، والعلَامة البروف الحبر يوسف نور الدائم، والعلَّامة د.عصام أحمد البشير، والشيخ أحمد عبد الرحمن محمد، والشيخ د. أحمد محجوب حاج نور.

وأعقب المُحاضرتين حوارٌ ممتعٌ شارك فيه كلُّ هؤلاء الأفذاذ، ويصلُحُ ذلك الحوار أن يكون أُنموذجًا ومثالًا حيَّا لأساليب الحوار. أتذكَّرُ أنَّ أحد المُعقِّبين شنَّ هُجومًا عنيفًا على شيخ جعفر، فردَّ عليه الشيخ بقوله: دعك مِنِّي، ورُدَّ على ما أوردته في مُحاضرتي.

وكان من المُعقِّبين الشيخ أحمد حاج نور الذي كان مُنفعِلًا في كلامه، فردَّ عليه شيخ جعفر بقوله: ردُّك هذا مثالٌ على العصبيَّة التَّنظيميَّة التي انتقدتها في محاضرتي.

وأتذكَّرُ أنَّ شيخ الحبر يوسف طالبه بالعودة والاستقرار في السُّودان لأنَّ الناس بِحاجةٍ إليه، وكان ردُّ الشيخ: الدَّعوةُ لا تُقيَّدُ ببلدٍ.

أمَّا تعليق د. عصام البشير فكان ذا صِلةٍ بجانبٍ تاريخيٍّ للسُّنَّة النَّبويَّة، وأتذكَّرُ أنَّه استعمل مُصطلحًا لم أسمع به من قبل.

وأتذكَّرُ أنَّنا أحطنا بالشيخ بعد محاضرة العلمانية، فقد كُنَّا نخشى الاعتداء عليه.   


رحم الله سماحة الوالد جعفر شيخ إدريس وتقبَّل منه.

وسأكمل في الجزء الثَّاني ــ إن شاء الله ــ ببعض الذِّكريات مع فضيلة الشيخ بمدينة الرياض عاصمة المملكة.