جعفر شيخ إدريس: مواقف ومشاهد. بقلم د. ربيع القمر الحاج
2025-07-28
جعفر شيخ إدريس: مواقف ومشاهد
بقلم: د. ربيع القمر الحاج
(1)
في العام الدراسي 1425هـ، كُلِّفت كلية الدعوة والإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية البروفسور جعفر شيخ إدريس ممتحنًا من الكلية لمناقشة الطالب عبد المولى الطاهر في أطروحته التي تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه في الدعوة.
طلب منا الشيخ أن نمر عليه مساءً في داره بحي العليا كي نصحبه في الذهاب للمناقشة، وبالفعل، وعند الموعد المضروب، انطلقتُ مع الأخ الدكتور محمد سليمان النور، الطالب وقتها في المعهد العالي للقضاء، إلى منزل الشيخ.
لحظات ويخرج علينا بطلعته البهية من داره ليركب معنا السيارة (المازدا موديل 76).
نزلت من السيارة لأفتح بابها المعطوب للشيخ، وبصعوبة بالغة انفتح الباب.
ركب الشيخ، لكني لاحظت أنه لم يكترث كثيرًا بشكل السيارة أو لونها أو بابها المعطوب، كما لاحظت أنه لم يحضر معه رسالة الطالب، وهي البحث موضوع النقاش.
فقلت أُذَكِّره، فلعله قد نسي، فقلت: شيخنا، لعلك قد نسيت الرسالة؟
فقال لي: لا، لا، ما نسيتها، لكني ما أحتاجها!!
فساد صمت طويل بيننا، ثم شرع يسألنا عن أخبار البلد وأحوالها، وهو يسألنا لاحظنا أنه يتابع ويعرف أخبارها أكثر منا.
وصلنا الجامعة، وكان المشرف على الرسالة بروفسورًا مصريًا، اضطرب اضطرابًا عظيمًا لما رأى الشيخ لا يحمل البحث موضوع النقاش، كذلك بدأت الدهشة على المناقش الثاني، الذي كان وكيلًا للجامعة وقتذاك، والذي رفض بأدبٍ شديد واعتذر عن المناقشة قبل أن يبتدرها الشيخ.
وعند بدء المناقشة، أخرج الشيخ جعفر من جيبه قصاصة ورقية صغيرة، وقال للطالب:
أنا لن أسألك في النحو والصرف والأخطاء المطبعية وما إليها، فذلك أمرٌ وشأنٌ أرجو أن تهتم به أنت لاحقًا. أنا فقط سأناقشك في بعض النقاط والنتائج التي توصلتَ إليها وذكرتها في بحثك.
وبدأت المناقشة بأروع ما تكون، بتناول عميق، ونفس طويل، وتحليل دقيق لمحاورها، وأهم وأبرز النقاط التي تناولها الطالب في بحثه.
وبعد (27) دقيقة بالضبط، دسَّ الشيخ قصاصة الورق في جيبه، مُعلنًا عن انتهاء نصيبه وحصته وحظّه من المناقشة، وسط دهشة الحاضرين!!
وعندما تقدم المناقش الثاني، ترك البحث وبدأ يتحدث عن الشيخ جعفر، علمه وتجربته وفهمه وأسلوبه، وكيف أنه قد أشرف عليه في مرحلة الدكتوراه، ثم دلّل على ذلك كونه ناقش الطالب نقاشًا علميًا عميقًا، وفي صميم وصلب الرسالة، فضلًا عن كونه لم يحضر معه الرسالة أصلًا ليتتبعها صفحة صفحة، لافتًا ومشيرًا إلى أن الفترة الزمنية التي استغرقها في النقاش لم تتجاوز نصف الساعة بأي حال من الأحوال، في وقتٍ كانت بعض الرسائل العلمية تستغرق الساعات الطوال.
بعدها تم الإعلان عن منح الطالب درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى بجدارة.
(2)
في ذات مرة، قدمنا مع الشيخ إلى مطار الرياض، وهو متجهٌ ومسافرٌ إلى واشنطن، حيث عمله بفرع الجامعة هناك.
وكان يرتدي ثوبًا أبيض وطاقية بيضاء على طريقة المشايخ المشاهير: المودودي، وأحمد ديدات، ومحمود مال بكري، وغيرهم.
ثم قدم الشيخ أوراقه وتذاكره لموظف الخطوط - آسيوي الملامح - الذي بدأ بدوره يسأل الشيخ: أين الراكب المسافر على الدرجة الأولى في الخطوط البريطانية إلى هيثرو ثم إلى واشنطن؟
كما اختطف نفس السؤال الراكب الذي كان يقف خلف الشيخ في صف المسافرين، ليسأل الشيخ: أين المسافر؟
فغضبتُ جدًا لهذه الأسئلة السخيفة غير المبررة، فأسمعتُهم ما أسمعتُهم، لكن الشيخ ما تركني أكمل غضبتي، فأجابهم بأدب جمّ: نعم، أنا المسافر.
فابتدرا يعتذران منه كثيرًا، ثم التفت الشيخ إليَّ قائلًا:
يا ربيع، يا أخي، الجماعة ديل سألوني سؤال فأجبت عليه، فلمَ كل هذه الثورة والغضب!!؟
(3)
في شهر رمضان من كل عام، يُقيم أبناء جامعتي الإمام والملك سعود بالرياض، بعد صلاة التراويح، جلسات حوار ونقاش فكري وثقافي ماتع، ضيوفًا في بيت الشيخ جعفر، يحضرها ثلة من علماء بلادي الغالية:
الشيخ عبد الباسط عبد الماجد، شيخ العاقب حاج إدريس، بروفسور محجوب عبيد، د. سليمان عثمان، د. عثمان أبو زيد، بروفسور مهدي رزق الله، بروفسور عبد الله زروق، بروفسور حسن أبو عائشة، وغيرهم من علمائنا الأجلاء الفضلاء.
وأذكر أن الشيخين علي عثمان ومهدي إبراهيم قد شاركا في بعض هذه الجلسات إبان زياراتهم للرياض.
وكانت موائد أهل الدار الكرام تمتد وتبسط مدّ البصر للحاضرين، وباستمرار خلال هذه الجلسات، بجفان كبار، لا يُغلق الباب دونها، مكللة لحمًا، مدفقة ثَردًا.
وصاحب الدار وأسرته الكريمة في قمة السعادة والانشراح بهذا الحضور المبارك المتميز.
(4)
حين توثقت علاقتنا بالوالد الشيخ، أصبحنا كثيرًا ما نلتقيه في إجازتنا الصيفية بالسودان، خصوصًا استجابته لدعوتنا للمشاركة في بعض البرامج الثقافية والاجتماعية التي نقيمها هناك.
وأذكر أننا قد دعوناه ذات مرة لواحدة من هذه البرامج، قبل الإنقاذ، عندنا في قريتنا الوادعة (بري اللاماب)، وجمعنا له ثلة من الإخوة والأخوات الأفاضل من المنشغلين بالدعوة، حيث قضى الشيخ معهم وقتًا طويلًا جميلًا في حوارات فكرية وفقهية وثقافية ممتعة، في مختلف القضايا المطروحة على الساحة وقتذاك، خصوصًا من قِبَل أخواتنا الحاضرات.
(5)
جامعة إفريقيا، والندوة العالمية، مؤسستان عريقتان، دائمًا ما تعقدان مؤتمرات وملتقيات علمية بعناوين مختلفة، تتناول شتى الموضوعات بشكل راتب ومستمر، يُدعى إليها عادةً الباحثون والعلماء والدعاة وأساتذة الجامعات، وغيرهم من المثقفين من أبناء أمتنا الإسلامية وغيرهم من المهتمين بقضايا الدعوة والتعليم والمعرفة.
وقد ظل شيخ جعفر حاضرًا دائمًا في هذه المنتديات، يُثري بحضوره الراكز، وثقافته العالية، وملاحظاته الدقيقة القيّمة، أمسيات هذه الفعاليات.
وكنا، مجموعة الشباب، ما أن نراه حتى نحتفي به، وندور ونلتف حوله، نسأله، ونمازحه، ونجادله...
(كما يلتف ويدور بالبدر النجوم الزواهر).
رحم الله الوالد الشيخ جعفر، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته...
آمين.
ربيع القمر الحاج / مدغشقر
بقلم: د. ربيع القمر الحاج
(1)
في العام الدراسي 1425هـ، كُلِّفت كلية الدعوة والإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية البروفسور جعفر شيخ إدريس ممتحنًا من الكلية لمناقشة الطالب عبد المولى الطاهر في أطروحته التي تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه في الدعوة.
طلب منا الشيخ أن نمر عليه مساءً في داره بحي العليا كي نصحبه في الذهاب للمناقشة، وبالفعل، وعند الموعد المضروب، انطلقتُ مع الأخ الدكتور محمد سليمان النور، الطالب وقتها في المعهد العالي للقضاء، إلى منزل الشيخ.
لحظات ويخرج علينا بطلعته البهية من داره ليركب معنا السيارة (المازدا موديل 76).
نزلت من السيارة لأفتح بابها المعطوب للشيخ، وبصعوبة بالغة انفتح الباب.
ركب الشيخ، لكني لاحظت أنه لم يكترث كثيرًا بشكل السيارة أو لونها أو بابها المعطوب، كما لاحظت أنه لم يحضر معه رسالة الطالب، وهي البحث موضوع النقاش.
فقلت أُذَكِّره، فلعله قد نسي، فقلت: شيخنا، لعلك قد نسيت الرسالة؟
فقال لي: لا، لا، ما نسيتها، لكني ما أحتاجها!!
فساد صمت طويل بيننا، ثم شرع يسألنا عن أخبار البلد وأحوالها، وهو يسألنا لاحظنا أنه يتابع ويعرف أخبارها أكثر منا.
وصلنا الجامعة، وكان المشرف على الرسالة بروفسورًا مصريًا، اضطرب اضطرابًا عظيمًا لما رأى الشيخ لا يحمل البحث موضوع النقاش، كذلك بدأت الدهشة على المناقش الثاني، الذي كان وكيلًا للجامعة وقتذاك، والذي رفض بأدبٍ شديد واعتذر عن المناقشة قبل أن يبتدرها الشيخ.
وعند بدء المناقشة، أخرج الشيخ جعفر من جيبه قصاصة ورقية صغيرة، وقال للطالب:
أنا لن أسألك في النحو والصرف والأخطاء المطبعية وما إليها، فذلك أمرٌ وشأنٌ أرجو أن تهتم به أنت لاحقًا. أنا فقط سأناقشك في بعض النقاط والنتائج التي توصلتَ إليها وذكرتها في بحثك.
وبدأت المناقشة بأروع ما تكون، بتناول عميق، ونفس طويل، وتحليل دقيق لمحاورها، وأهم وأبرز النقاط التي تناولها الطالب في بحثه.
وبعد (27) دقيقة بالضبط، دسَّ الشيخ قصاصة الورق في جيبه، مُعلنًا عن انتهاء نصيبه وحصته وحظّه من المناقشة، وسط دهشة الحاضرين!!
وعندما تقدم المناقش الثاني، ترك البحث وبدأ يتحدث عن الشيخ جعفر، علمه وتجربته وفهمه وأسلوبه، وكيف أنه قد أشرف عليه في مرحلة الدكتوراه، ثم دلّل على ذلك كونه ناقش الطالب نقاشًا علميًا عميقًا، وفي صميم وصلب الرسالة، فضلًا عن كونه لم يحضر معه الرسالة أصلًا ليتتبعها صفحة صفحة، لافتًا ومشيرًا إلى أن الفترة الزمنية التي استغرقها في النقاش لم تتجاوز نصف الساعة بأي حال من الأحوال، في وقتٍ كانت بعض الرسائل العلمية تستغرق الساعات الطوال.
بعدها تم الإعلان عن منح الطالب درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى بجدارة.
(2)
في ذات مرة، قدمنا مع الشيخ إلى مطار الرياض، وهو متجهٌ ومسافرٌ إلى واشنطن، حيث عمله بفرع الجامعة هناك.
وكان يرتدي ثوبًا أبيض وطاقية بيضاء على طريقة المشايخ المشاهير: المودودي، وأحمد ديدات، ومحمود مال بكري، وغيرهم.
ثم قدم الشيخ أوراقه وتذاكره لموظف الخطوط - آسيوي الملامح - الذي بدأ بدوره يسأل الشيخ: أين الراكب المسافر على الدرجة الأولى في الخطوط البريطانية إلى هيثرو ثم إلى واشنطن؟
كما اختطف نفس السؤال الراكب الذي كان يقف خلف الشيخ في صف المسافرين، ليسأل الشيخ: أين المسافر؟
فغضبتُ جدًا لهذه الأسئلة السخيفة غير المبررة، فأسمعتُهم ما أسمعتُهم، لكن الشيخ ما تركني أكمل غضبتي، فأجابهم بأدب جمّ: نعم، أنا المسافر.
فابتدرا يعتذران منه كثيرًا، ثم التفت الشيخ إليَّ قائلًا:
يا ربيع، يا أخي، الجماعة ديل سألوني سؤال فأجبت عليه، فلمَ كل هذه الثورة والغضب!!؟
(3)
في شهر رمضان من كل عام، يُقيم أبناء جامعتي الإمام والملك سعود بالرياض، بعد صلاة التراويح، جلسات حوار ونقاش فكري وثقافي ماتع، ضيوفًا في بيت الشيخ جعفر، يحضرها ثلة من علماء بلادي الغالية:
الشيخ عبد الباسط عبد الماجد، شيخ العاقب حاج إدريس، بروفسور محجوب عبيد، د. سليمان عثمان، د. عثمان أبو زيد، بروفسور مهدي رزق الله، بروفسور عبد الله زروق، بروفسور حسن أبو عائشة، وغيرهم من علمائنا الأجلاء الفضلاء.
وأذكر أن الشيخين علي عثمان ومهدي إبراهيم قد شاركا في بعض هذه الجلسات إبان زياراتهم للرياض.
وكانت موائد أهل الدار الكرام تمتد وتبسط مدّ البصر للحاضرين، وباستمرار خلال هذه الجلسات، بجفان كبار، لا يُغلق الباب دونها، مكللة لحمًا، مدفقة ثَردًا.
وصاحب الدار وأسرته الكريمة في قمة السعادة والانشراح بهذا الحضور المبارك المتميز.
(4)
حين توثقت علاقتنا بالوالد الشيخ، أصبحنا كثيرًا ما نلتقيه في إجازتنا الصيفية بالسودان، خصوصًا استجابته لدعوتنا للمشاركة في بعض البرامج الثقافية والاجتماعية التي نقيمها هناك.
وأذكر أننا قد دعوناه ذات مرة لواحدة من هذه البرامج، قبل الإنقاذ، عندنا في قريتنا الوادعة (بري اللاماب)، وجمعنا له ثلة من الإخوة والأخوات الأفاضل من المنشغلين بالدعوة، حيث قضى الشيخ معهم وقتًا طويلًا جميلًا في حوارات فكرية وفقهية وثقافية ممتعة، في مختلف القضايا المطروحة على الساحة وقتذاك، خصوصًا من قِبَل أخواتنا الحاضرات.
(5)
جامعة إفريقيا، والندوة العالمية، مؤسستان عريقتان، دائمًا ما تعقدان مؤتمرات وملتقيات علمية بعناوين مختلفة، تتناول شتى الموضوعات بشكل راتب ومستمر، يُدعى إليها عادةً الباحثون والعلماء والدعاة وأساتذة الجامعات، وغيرهم من المثقفين من أبناء أمتنا الإسلامية وغيرهم من المهتمين بقضايا الدعوة والتعليم والمعرفة.
وقد ظل شيخ جعفر حاضرًا دائمًا في هذه المنتديات، يُثري بحضوره الراكز، وثقافته العالية، وملاحظاته الدقيقة القيّمة، أمسيات هذه الفعاليات.
وكنا، مجموعة الشباب، ما أن نراه حتى نحتفي به، وندور ونلتف حوله، نسأله، ونمازحه، ونجادله...
(كما يلتف ويدور بالبدر النجوم الزواهر).
رحم الله الوالد الشيخ جعفر، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته...
آمين.
ربيع القمر الحاج / مدغشقر

