كلمة في وداع الشيخ الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس. بقلم د. حسن أبوعائشة
2025-07-19
كلمة في وداع الشيخ الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس، رحمه الله تعالى، وتقبله عنده في عباده الصالحين.
صُليً عليه، بحمد الله تعالى، في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، بعد صلاة عصر، وقُبرَ بالبقيع، اليوم، السبت ٢٤ من شهر الله المحرم لعام ١٤٤٧هج، الموافق له ١٩ يوليو ٢٠٢٥م.
بقلم.. حسن أبوعائشة حامد.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
في الحديث الشريف. (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ،) متفق عليه.
وقد فقدنا اليوم علَماً باذِخاً من علماء الأمة الإسلامية، وأحد علماء السودان الأفذاذ، ومن الذين أثروا العلم والمعرفة الموسوعية في المملكة العربية السعودية، ألا وهو شيخنا وأستاذنا وأخونا الشيخ الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس، أستاذ الفلسفة والعلوم الإسلامية في جامعة الخرطوم وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، التي عمل فيها لأكثر من ثلاثين عاماً.
كان الشيخ جعفر رحمه الله حجة بالغة في اللغة العربية واللغة الإنجليزية، ومحدثا بارعاً، وشخصية لطيفة مرحة، سريعاً ما تألفها، يزيل عنك اي حاجز من رهبة او تهيّب لحديث.
زاورته كثيرا وعاشرته وكأني مجاور له لصيق، في داره العامرة بالرياض لسنوات غضة، وترافقنا في رحلات الحج عدة مرات، ايام كان الحج في قوافل من سياراتنا الخاصة، من الرياض الحفيّة إلى بلاد الحجاز العامرة. وتشاركنا في ندوات عديدة لتوعية إخواننا من حجاج السودان، ونهلتُ من علمه الغزير، وقراتُ عليه بعض كتبه مراجعة، إذ كان يحب أن يستمع لما كَتبَ، فيعدٍّل فيه ويصوّب. ومن أكثر كتبه التي عايشتُ كتابتها، وتناقشنا في فقرات عديدة منها، كتاب (الفيزياء ووجود الخالق) وهو كتاب جدير بالقراءة، بل بالدراسة، خاصة للشباب الذين تبهرهم إنجازات العلوم التجريبية، والعلوم الكونية، والمعادلات الرياضية، ونظريات الفيزياء التي تتكلم بلغة أرقام لا نهاية لها علوّاً ولا منتهى لها في الصغر، فيصدّق بعضهم أن (لا إله، والعلم هو الله!)
وصحبته في رحلة علمية طويلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحضور بعض أنشطة الشباب الإسلامي في أمريكا، فكان نعم الأستاذ ونعم الرفيق في السفر، ونعم الصديق على مستوى الأسرة.
ومع شخصيته اللطيفة، الودود، كان رحمه الله قوياُ فيما يراه حقاُ، جريئاً في الجهر به، لا يخاف في ذلك لومة لائم.
فقد زوجته، أم عبدالرحمن، إذ سبًقته إلى دار البقاء، فتألم لفقدها كثيرا، وتألمنا لفقدها، وتألمنا لحزنه الدفين، النبيل، وكانت رحمها الله صديقة حميمة لأسرتنا، تحب أولادنا وتغمرهم بالهدايا، وتدللهم بأسماء من عندها، ونحب أولادها واولاد جعفر، نحب عبدالرحمن وعبدالمنعم، وآخر العنقود يوسف، وجوهره البيت منال. حفظهم الله جميعا وبارك فيهم وفي ذراريهم، وجعلهم خَلفَ خيرٍ وبرٍ، لسلفِ خيرٍ وعلمٍ وخُلق.
اللهم إنك تعلم أننا نحب عبدك جعفر بن شيخ إدريس، وقد أفضى إلى ديار انت أعلم بها، فاقبل شهادتنا فيه، وأنت خير الشاهدين. اللهم إنا نشهد أنه كأن معلّماً للخير، منافحاً عن دينك، رفيقاً بالضعفاء، قوياً فيما يراه حقاً، وما شهدنا إلا بما علمنا، وأنت العليم الخبير.
اللهم، إنك قد ابتليته بداء عُضال، لسنوات طوال، فنحسبُه في الزمرة التي وصفها نبيك، صلى الله عليه وسلم، زمرة (الأمثل فالأمثل)، إذ يقول صلى الله عليه وسلم ("أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ") رواه الترمذي.
اللهم فأكرم نُزلَه بما أنت أهله، وانت أكرم الأكرمين، ويسر حسابه، فأنت بذلك جدير، وهو أمرٌ عليك يسير.
وصلِ اللهم وسلِم وبارِك على سيدنا محمد وعلى آله، وأفِض علينا من نوره وحكمته وبركته وهداه.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

