الوالد دكتور جعفر شيخ إدريس روحٌ وريحانٌ. بقلم الفريق ركن هاشم علي عمر
2025-07-22
غَيَّبَ الموتُ الداعيةَ والمفكرَ والبروفيسورَ والشيخَ والخالَ جعفرَ شيخَ إدريس، بعد أيامٍ مع المرض بالسعودية بمدينة الرياض، مقبورًا بالبقيع بالمدينة المنورة، فكان خبرًا شقَّ القلبَ، وأورثَ الألمَ، وأبقى الوجعَ.
هو المفكرُ والأستاذُ الشهيرُ في مجالِ الفلسفةِ، فقد نال شهرةً طيبةً على المستوى العالمي في مجاله، كُتُبُه ومقالاته متداولةٌ ومعروفةٌ، أهمها كتاب (الفيزياء و وجود الخالق)، الذي صار مرجعًا وهدايةً لكثيرٍ من العلمانيين والشيوعيين.
قدَّم دكتور جعفر نموذجًا فريدًا في التعامل مع التحديات الفكرية، مؤكدًا أن تجديد الخطاب الديني لا يعني التخلي عن الثوابت، بل يعني إعادةَ تقديمها بلغة العصر، مع الحفاظ على جوهرها المقدس.
إلى الفردوس الأعلى بإذن الله.
كان الخال دكتور جعفر صادقًا، مخلصًا، صبورًا، من أروع الناس طيبةً، تأمرك الروح والنفس أن تسأل عنه، ويجيبك القلب أن تذكره وتأنس به، يتميز بشفافيةٍ، ويتمتع بهدوءٍ وتواضعٍ مريحٍ.
نشأ الخال جعفر في أسرةٍ عريقةٍ متدينةٍ، بين والدين يتسمان بالطيبة والمروءة ومحبة الناس، لها تأثيرُها الإسلاميُّ على مجتمع بورتسودان، رجالٌ ونساءٌ أثْرَوا ساحَتَهم بالفكر الإسلامي: صلاةً وتربيةً ودعاءً.
أسرةٌ يُشار لها بالبَنان، أسرةٌ تصِلُ الرحمَ وتصدقُ الحديثَ وتُقري الضيفَ، قدمت وخدمت البلادَ والعبادَ.
الخال جعفر كنتَ خيرَ مثالٍ في التربية والتوجيه والإرشاد، وخيرَ زوجٍ، وخيرَ أبٍ، وخيرَ مرشدٍ للخير.
ربَّيتهم على الدين والخلق والعلم، فكان بيتُك سعادةً وحبًّا ومودةً، فكانوا من الناجحين والنافعين لأنفسهم وأسرهم ووطنهم، على تقوى وإيمانٍ بالله عزَّ وجلَّ:
(وكان أبوهما صالحًا).
أسرتك الصغيرة، منها زوجتك أم منال، عليها رحمةُ الله، كانت من أصحاب الصدقةِ الخفية، وهو بابٌ للرزق، وطريقٌ للخير والسرور والسعادة، بابُ المنفقين.
وأحسبُ أنها ربَّت طفلتين يتيمتين تنشئةً وتعليمًا حتى مرحلة زواجهما.
لها المغفرةُ والرحمةُ والرضوانُ من الرحمن.
أولادك:
عبد الرحمن.. النقي التقي، مرآةُ أخيه، يكفُّ عليهم ضيعتَه، ويَحوطهم من ورائهم.
وعبد المنعم.. العفيف اللطيف الورع، الداعية الزُّرَب، لسانان فصيحان: عربيٌّ و"شكسبيري".
وأبو مريم.. يوسف، أيها الصدّيق، يهدي الناسَ برنامجًا "تي.في"، نبراسًا وهدًى، ضياءً ونورًا لكثيرٍ من المسلمين.
ومنال.. روحُك وفلذة كبدك، كنتَ لها الأبَ الحنونَ العطوفَ، تَهَنأ للقائها، وتَسَرُّ لقُربها، وتُفسح لها المجالَ أنسًا ولطفًا وودًّا.
أسرتك أدركتْكُما عند الكِبَر وبَرُّوكُما، فهنيئًا لهم الأجرَ والثوابَ من عند الله.
حزنوا وبكوا عليكما ألمًا وحزنًا وفراقًا ودمعًا حارًّا يقطعُ القلبَ ويشوي الفؤاد.
اللهم أفرغ عليهم صبرًا، وأجعلهم من الحامدين الشاكرين، ومسيرتُك القاصدةُ إلى الله.
الخال دكتور جعفر، تلاقي والديك: إدريس (إنه كان صِدِّيقًا نبيًّا)، وخديجة بنت خويلد، وأخوتك: عثمان بن عفّان، والحسن بن علي، ومريم بنت عمران، وآسية (ابنِ لي عندكَ بيتًا في الجنة)، وفاطمة الزهراء (واصطفاني من بني هاشم).
أبشروا... أبشروا آلَ شيخ إدريس.
الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ، ما تآلف منها ائتلف.
إلى جنّةٍ عرضُها السماواتُ والأرض.
أستعيدُ بعض السوانح، منها وفاة والدِنا علي عمر حسب الله، عليه رحمةُ الله، أرسل الخال جعفر خطابَ تعزيةٍ ومواساةٍ، ذاكرًا أن الوالدة خديجة أخذته إلى عطبرة، حيث يقيم والدي آنذاك، وأخذهم الوالدُ إلى الشمالية بقطار السكة الحديد، وهناك تمّت معالجته وتداويه بواسطة البصير البلدي، شاكرًا ومقدّرًا لوالدي جزءًا من مناقبه وإحسانه.
جاري بالمهندسين، الشيخُ الجليلُ دكتور الحبر، عليه رحمةُ الله، أزورُهُ وأَنسُ به، لي معرفةٌ بأولاده: دكتور محمد، وعمر، وخَيْلانهم: دكتور محمد الفاتح، ومعتصم.
دائمًا يذكرني بموقف دكتور جعفر معه، ويقول: كنتُ طالبًا في السنة الأولى، آداب جامعة الخرطوم، والخال جعفر يدرسنا مادة الفلسفة. قال جعفر له: ما هذا الكتاب الذي تحمله؟ قلت له: كتابٌ في الأدب الأندلسي. قال لي: هل قرأتَ كتاب تفسير ابن كثير؟ هل قرأتَ البخاري؟ قلت له: لا.
ومن يومها – يا ابني هاشم (هاشم الذي أكل الثريد) – انكببتُ على دراسة الهَدْي النبوي لأهميته لكل مسلم، ومن أهمها الاقتداء برسول الله ﷺ.
وأيضًا يذكر لي بيتًا من الشعر القديم، يقوله السياسي آنذاك محمد أحمد المحجوب، مدحًا وشكرًا لجعفر، وهو يقول في بيت الشعر:
عرفنا جعفرًا وبني أبيهِ
وأنكرنا زعانفَ آخرين
الخال جعفر عاش بارًّا لوالديه، وأخوته، وأولاده، وأهله، وعشيرته، وأصدقائه، كريمًا معطاءً، ملبّيًا لكل الحاجات، ومسارعًا لعمل الخيرات (بناء المسجد ببلدة السقاي)، مع جهدٍ ومتابعة الخال عثمان وأهله، عليهم رضوان الله.
الخال جعفر يُحدّثك والابتسامة لا تفارق وجهه الصبوح، وهي طبعٌ فيه، وهو شخصيةٌ لطيفةٌ ومرِحةٌ وودودٌ، ودائمًا ما يُداعبني، ويقول لي: (يا هاشم، الودّاك العسكرية شنو؟ إنت راجل طيب ولطيف!)، نضحك ونتسامر، وأقول له: هي أقدار الله.
وأذكر له بعض مواقف الصبا، منها: اهتمامه بالذهاب للخلوة أنا وأخي محمد، السينما ببورتسودان، فريق عُوَيْضة، جبل أولياء، العقيدة الطَّحاوية، عثمان خالد.
غاب الخال جعفر.. القمر.. وهو باقٍ فينا بروحه، وخُلُقه، وأدبه، وكُتبه، وأُنْسه، ولُطفه، وإنسانيته.
الصلةُ والاتصالُ ما زالت قائمةً بالدعاء والرحمة والمغفرة له.
وإنا لفراقك لمحزونون، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب.
الأهل والعشيرة والأحباب،
ألَيْتُ على نفسي أن أكتب بعض الكلمات، ولست أديبًا، ولا شاعرًا، ولا ينبغي لي، وبالرغم من ذلك عسكريٌّ قُحٌّ، اللغة العربية لا أعرف دفينَ خزائنها، ودقيق كلماتها وتعبيراتها، لقلّة حيلتي وهواني.
أَعذروني، أَعذروني.
خاتمة كلماتي البسيطة لك، بيدٍ مرفوعةٍ بالدعاء للرحمن الرحيم، من:
-
المسلمين والمسلمات
-
من المؤمنين والمؤمنات
-
من شجرة آل شيخ إدريس
-
من الخال العزيز محمد أحمد (المهدي)، عميد الأسرة وراعيها
-
من الخالتين السعيدتين: سعدية وسعيدة
-
من الخال آخر العنقود: عبد الله
أقول:
اللهم زيّنه بالقرآن.
اللهم شرّفه بالقرآن.
اللهم أكرمه بالقرآن، مع الصديقين، والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.
ودمت في حفظ الله ورعايته، مع الصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
ابنك: فريق ركن هاشم علي عمر
القاهرة 22/7/2025

