جعفر شيخ إدريس...معارف وطرائف .. بقلم محمد الحبر يوسف
2025-07-21
جعفر شيخ إدريس... معارف وطرائف
محمد الحبر يوسف
كان اسم الشيخ جعفر شيخ إدريس، رحمه الله، يتردد في أذني منذ وعيت، فوالدي، رحمه الله، من طلابه الأوائل الذين درسوا عليه الفلسفة في جامعة الخرطوم، وألفت بينهم، قبل ذلك، الفكرة الواحدة، وهموم العمل للإسلام. تطلعت نفسي لرؤية الشيخ والاجتماع به، بعد أن سمعت الوالد يكثر من الثناء عليه، والإعجاب به. وكان من جميل صنع الله أن تحققت لي هذه الأمنية الغالية في أبرك مكان، وأشرف بقعة؛ فقد التقيت الشيخ أول مرة وأنا طالب بالمرحلة الثانوية، حينما ذهبت في رحلة مع ثلة من طلاب مدرسة المؤتمر لأداء العمرة، فرأيت في أمسية من تلك الأماسي المفعمة بالروحانية الفياضة، رجلًا سودانيًا حسن السمت والهيئة، يجلس مستقبل الكعبة الشريفة، تعلوه سكينة ووقار ومهابة بادية، وقد تحلق حوله نفر من الشباب يتحدث إليهم بصوت خفيض، فوقر في نفسي أن ذلك الشيخ هو جعفر شيخ إدريس، فتقدمت نحو مجلسه، وسألت أحدهم: هل هذا د. جعفر شيخ إدريس؟ فقال لي: نعم. فعجبت لهذه الفراسة! وفرحت برؤية الشيخ فرحًا لا يوصف، ودلفت مسلِّمًا إليه، وعرفته بنفسي، فرحب بي، وسألني عن والدي، وحملني التحية إليه.
-
تكررت زيارة الشيخ للسودان، الذي غادره منذ فترة إلى المملكة العربية السعودية، وتكررت رؤيتي له، والاستماع إلى أحاديثه الماتعة النافعة، سواء في المجالس والدعوات الخاصة التي كنت أحظى بها مرافقًا لأبي رحمه الله، أو في المحاضرات العامة التي اعتاد الشيخ أن يقدمها كلما قدم للسودان.
-
أتاحت لي المواقع التي عملت فيها، أو تعاونت مع القائمين عليها، فرصًا للتواصل مع شيخنا جعفر، فشرفت بإجراء حوار إذاعي معه بإذاعة طيبة من خلال برنامج كنت أعده وأقدمه، كما شرفت باستضافته في أمانة معاذ الخيرية بمدينة بيرمنغهام لتقديم محاضرات في منتدياتها الراتبة. ولمّا عملت بالمجلس الأعلى للدعوة، التابع لوزارة الإرشاد والأوقاف، شاركنا الشيخ في دورات انعقاده بأوراق عمل أكثر من مرة، وكان الشيخ في كل هذه المحطات رجلًا سهلًا سمحًا، لا يرد طلبًا، ولا يعتذر عن مشاركة ما استطاع.
أما الفرصة الأعظم التي أتيحت لي، وتوثقت فيها صلتي بالشيخ، فقد كانت في رحاب منتدى النهضة والتواصل الحضاري، الذي أسسه الشيخ الدكتور عصام البشير، ليكون وعاءً جامعًا يُعنى بدراسات النهضة، ويسدد مسيرة العمل الإسلامي. وكان من محاسن الصدف أن حظينا بوجود الشيخ جعفر بيننا مستشارًا علميًا لذلك المنتدى، ومشاركًا في أنشطته وبرامجه العلمية. وكانت فرصة نادرة، سعدنا فيها بصحبة الشيخ، وانتفعنا بعلمه، وأنسنا بمجالسه التي لا تمل.
-
عرف الناس الشيخ جعفر مفكرًا واسع الاطلاع، جامعًا بين الثقافتين الإسلامية والغربية، وتشهد لموسوعيته هذه مؤلفاته، ونظراته الفكرية الثاقبة. ذكر لي مرة أن أنفع ما يستفيده الإنسان من المعارف يجده في القراءة للسلف المتقدمين وللكُتاب الغربيين، أما القراءة للمعاصرين، فالفائدة المرجوة منها ليست بذاك. وسلمت له بما قال، لكنني تفاجأت حينما ذكرت له مقالته هذه مرة، فقال لي: وجدت أن كلامي هذا غير صحيح، فالقراءة للمعاصرين فيها فوائد، منها أن يتعلم الإنسان لغة الخطاب المعاصر المعهود حتى يتحدث مع الناس بلسانهم. وأعتقد أن عبقرية الشيخ كانت في إيمانه وتدبره العميق لكتاب الله؛ فكانت له مع آيات الكتاب وقفات ونظرات لا تجدها عند غيره، منها وقفته الطويلة في مناقشة الإلحاد عند قوله تعالى: (أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون). منها أنه كان يقول: من الخطأ أن يبدأ الناس نقد الاشتراكية بالقول إن الله قد أباح الملكية الفردية، ذلك لأننا لا نجد في القرآن كله مدحًا لأحد لأنه تملك، بل العكس، مثل قوله تعالى: (جمع مالًا وعدده)، (جمع فأوعى). ومنها أنه كان يتحدث عن ضرورة التربية وأهميتها في مقاومة الاستبداد وآثاره الضارة، فذكر قول الله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، وعلق على الآية بأن فيها مدحًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم قوم كرام لا يصبرون على اتباع قائد فظ غليظ.
-
سألني الشيخ، رحمه الله، مرة عن كتاب "معالم في الطريق" للشهيد سيد قطب: هل له رواج وسط الشباب؟ فأجبته بالنفي، فقال لي: لا أعرف كتابًا كان له تأثير على الناس أكثر من كتاب المعالم، الذي قرأه كل مشتغل بالفكر، سواء كان إسلاميًا أو قوميًا أو شيوعيًا. وقص علينا أنه ذهب مرة إلى الأستاذ أحمد سليمان المحامي، قبل أن يترك الشيوعية، فوجد في مكتبته كتاب "معالم في الطريق". فقال له شيخ جعفر: إن السيد الصادق المهدي وصف الكتاب بأنه مخيف، فبادره أحمد سليمان: "المعالم دا يخوف المهدي ذاتو، خلي الصادق المهدي، وعلي الطلاق سيد قطب أرجل منو مافي."
-
كنت في مجلس، يصدق أن يقال فيه: ما أود أن لي به حمر النعم، ضم د. جعفر شيخ إدريس، ود. أحمد العسال، ود. بسطامي محمد سعيد، وآخرين. فحكى الشيخ الدكتور بسطامي علينا خبر المحاضرة التي نظمها في جامعة بيرمنغهام التي يعمل محاضرًا فيها، عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ودعا للحديث فيها د. زغلول النجار. وكان ظن الدكتور بسطامي أن تحظى المحاضرة بتجاوب كبير، وصدى واسع لدى الإنجليز الذين حضروها، ولكن ذلك لم يحدث. فعلق الشيخ جعفر قائلًا: لأنكم يا بسطامي اخترتوا موضوعًا غير مناسب، كان الأوفق أن يكون الحديث عن الإعجاز الاجتماعي في القرآن، هذا ما يحتاجه مجتمعكم في إنجلترا، أما العلوم فلن يستمعوا إليكم، وهم يظنون أنهم سادة الناس فيها. ولما سمعت مقالته هذه، تذكرت قول الله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكمًا وعلمًا).
كان الشيخ، رحمه الله، يمتلك قدرة نقدية عالية للأفكار ومناقشتها بالحجة والبرهان، ومع ذلك كان مرنًا جدًا في التعامل مع الواقع. أذكر أننا كنا في محاضرة للشيخ، عرّج فيها على نقد الديمقراطية الغربية، وهو نقد له فيه باع طويل وحوارات ومناقشات. فسأله أحد المشايخ: هل نفهم من حديثك أنك تُحرّم المشاركة في الانتخابات البرلمانية؟ فأجابه الشيخ: أبدًا، المشاركة في الانتخابات عمل جائز، بل قد يجب أحيانًا. ثم استطرد يشرح له الفرق بين النظرية والموقف العملي الذي يُبنى على الاستطاعة وفعل الممكن.
-
حكى لنا مرة أن بعض الشباب من التيار السلفي في السودان نقل للشيخ عبد العزيز بن باز أن ناس الجبهة الإسلامية في السودان يُخرجون النساء للتصويت في الانتخابات، فاستعظم الشيخ عبد العزيز مقالتهم، وكعهده دومًا في التثبت، سأل شيخ جعفر عن مقالتهم تلك. فقال له شيخ جعفر: نعم، يفعلون ذلك، لأنهم لو لم يفعلوا، لذهب إليهم العلمانيون والشيوعيون وأخرجوهن من البيوت للتصويت لهم. فقال له الشيخ ابن باز: تُكاثرونهم؟ قال: نعم، ولا بد أن نفعل. فقال له الشيخ ابن باز: إذن، لا حرج.
-
ما كان الشيخ، رحمه الله، رغم ما يبدو على محيّاه من حزم، يضيق ذرعًا بالخلاف، ولا بحوار المخالف له؛ فقد مكنته معارفه من ملكة الحوار والحجاج والنقد. وكنت أحسب أن أمتع ما في محاضرات الشيخ ردوده على الأسئلة والتعقيبات التي ترد إليه. حدثنا الشيخ أنه كانت له حوارات قديمة مع عبد الخالق محجوب، زعيم الحزب الشيوعي، وربما جاءه عبد الخالق في بيته بأم درمان، وأوقف سيارته بعيدًا حتى لا يراه أصحابه. وحاول الشيخ جعفر أن يُقنع عبد الخالق بأن كل المبادئ الحسنة التي تُعجبه في الاشتراكية موجودة في الإسلام، فلماذا تستوردون أفكاركم من خارج الإسلام؟ ولماذا تربطون الاشتراكية والانتصار للطبقات الكادحة بالإلحاد، (عشان) ماركس كان ملحدًا؟
-
وحدثنا الشيخ أنه حينما كان طالبًا في جامعة الخرطوم تصدى لأفكار محمود محمد طه وفندها، وكلما جاء الهالك لإلقاء محاضرة بالجامعة، يرفع الشيخ جعفر يده ليأخذ الفرصة الأولى في التعقيب عليه. قال الشيخ: فلما تخرجت، سلط الله على زعيم الجمهوريين شابًا، وقف مرة قبل أن تبدأ المحاضرة، وقال: عندي سؤال. فقال له محمود: نحن لم نبدأ المحاضرة بعد. فقال له الطالب: أنا سؤالي في عنوان المحاضرة!
-
وبمناسبة ذكر الجمهوريين، حدثنا الشيخ أنه ذهب قديمًا إلى ود مدني وقدم محاضرة جامعة في نقد أفكار محمود محمد طه، وانفعل مقدم الشيخ في المحاضرة بالحجج القوية التي ذكرها شيخ جعفر في نقد الفكر الجمهوري، فأعلن بعد نهاية المحاضرة، دون اتفاق مع الشيخ، بأعلى صوته: (أيها الإخوة، سيكون لنا غدًا في مثل هذا الوقت لقاء مع الدكتور جعفر شيخ إدريس لمواصلة النقاش).
-
كان الشيخ معجبًا جدًا بظهور دعاة علماء في السودان، عرفتهم الساحة منذ أواخر التسعينات تقريبًا، وتواصلوا مع الشيخ وتواصل معهم. ورغم إعجاب الشيخ الكبير بهم، إلا أنه كان يقول: أود أن أجد وقتًا أنظم فيه دورة للمشايخ في القضايا الفكرية المعاصرة؛ فقد كان يعتقد أن استكمال هذا النقص سيكون مفيدًا جدًا لهم. وتأكد عندي رجاحة ظن الشيخ حينما كنت أستمع لطرح بعض المشايخ ورؤيتهم لكتابة دستور إسلامي، وإشكاليات المواطنة، وردودهم على ترهات العلمانيين والملحدين.
-
المطلع على مؤلفات الشيخ وكتاباته، يلحظ عنايته الفائقة بالتعبير عن فكرته بأسلوب سلس، وصياغة محكمة، واستدلال مبين؛ فلم يكن يعجبه إلقاء الكلام على عواهنه كيفما اتفق. عُرض عليه مرة أحد الشباب النابهين – وكنت معجبًا به ولا أزال – مسودة كتاب عن الحضارة. أذكر أنه قال في مقدمته: (تُعتبر المسألة الحضارية هي أمّ المسائل التي يجب الاهتمام بها وكذا وكذا)، فقال له الشيخ، بطريقته المحببة تلك: (يا أخي، ما تكتبوا للناس كلامًا لا معنى له، شنو المسألة الحضارية هي أم المسائل؟ الحضارة نفسها ما اتفق على تعريف لها). وأذكر أني كنت مع الشيخ في مكتبه، فبعث إليه بعض المشايخ الفضلاء ببيان يطلبون من الشيخ التوقيع عليه، فلما قرأه، اعتذر عن التوقيع فيه، لضعف أسلوبه، وخلوه من الحكمة السياسية التي كان شيخنا بصيرًا بها.
-
كانت الطرفة الذكية لا تكاد تفارق الشيخ في تعليقاته على الأحداث والأشخاص. ومن طرائفه: إنه في الفترة الأولى من حكم الرئيس نميري، جاءت سيارة فيها جنود مدججون بالسلاح لاعتقال الشيخ من منزله، فلما خرج إليهم، قال لهم: (إنتو عاوزين تعتقلوا جعفر ولّا جيفارا)؟!
اللهم اغفر لعبدك جعفر شيخ إدريس، وأكرم نزله، وارزقه مرافقة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

